top of page
Typewriter

جوابات

تكتب المراسيل كـ البوح فلا تنقح

عزيزتي سارة 


دائما ما اتشكك ومازلت احيانا اؤمن بشدة , اسمع الآن رنين الطبق النحاسي لطبيبتي التي  تعرفت عليها مؤخرا وهي  تطرق يد الطبق النحاسي بيده الخشبية ليصدر رنين قوي لتنبهني بانه ليس هناك شيء اسمه " طوال الوقت او دائما " 

عزيزتي سارة 

وصلني مضمون مرسالك والصورة المرفقة معه  لكم كرهت ذلك الشعور الذي ظل يصاحبني كلما رأيت تلك الصورة وهو نفس شعوري الأول حينما رأيتها 

صورة بها طريق أخضر طويل ممتليء بالشجر والورد وفي منتهاه وخطه الافقي نور مشمس جميل وفي منتصف الكادر بسكلتتين بألوان طيبة وسبت وحقائب وقبعتين من خوص 

لماذا ينتابني شعور بالخوف والفزع في كل مرة أرى فيها تلك الصورة بهذا الجمال ؟ 

هل اصبحنا نخشى الجمال عزيزتي ؟ هل ستظل أرواحنا هشة لتلك الدرجة من الزعر والشك في أنفسنا, والتهكم على أرواحنا لكونها مازالت طفلة ولم تدرك بعد مدى حقيقة قبح العالم؟

 و لكونها مازلت تبتهج برؤية شجرة ياسمين ؟ أو لأننا مازلنا نبحث بين الوردات المتساقطة على الارض لنهادي بعضنا قليل من جمال الطين والأرض والنور ؟

لكوننا مازلنا نستشعر رائحة الفل عن بعد ونتلفت بحثاً عن شجرته لنحييها ؟ هل سنبقى ممن يتلفتون خوفا ؟ ويخفون هواتفهم ويتمسكون بحقائهم بشدة في الزحام ويتشككون في كل من حولهم بأن للجميع رغبة في الأذى ؟ 

هل سنظل متخبطين في حكمنا على أنفسنا لكون أرواحنا مازالت محتفظة بطفولتها وشغفها او لسذاجة عقولنا وخطاوينا ؟

 لإندهاشنا  برؤية شجر ذات أوراق صفراء وخلافنا  حول إن كانت الشجرة بأوراق ذابلة او شجرة بأوراق صفراء لنكتشف ان هناك طريق ممتد ممتليء بتلك الأشجار التي سيستدرجنا جمالها وجمال زهرها واوراقها الصفراء بالكامل الى ذلك المرر وذلك الحدث؟ 

وحماسي بتوثيق تلك الشجرة حتى ترسليها لصديق لك في ألمانيا  حتى نثبت له ان هناك قليل من الجمال الصادق في هذه الأرض . ولنتبادل الشجيرات والافكار عبر الصور في رحلتنا في اعادة اكتشاف ذواتنا و المدينة وفي رحلته في بلاد جديدة. 

ولكن هل يا عزيزتي اخبرك صديقك بتعرضه لأذى حينما يسير وحيدا مدهوشا بجمال ما حوله ؟ 

 اعلم وتعلمين ويعلم هو ايضا بان ذلك يحدث في كل مكان لكني مازلت لا استطع حتى الآن ان اصدق انه حدث لي.

"تروما" - اول مرة اخبرتني صديقة عرافة جميلة وذكرت ان ملامح وجهي توحي بتعرضي لتروما منذ الصغر و لم اتعافى منها بعد, كان منذ اشهر قليلة حينما قررت ان تلعب معي لعبتها وتغوص في رحلة في ملامح وجهي لتراني ولتريني روحي كما لم ارها من قبل 

"تروما" لا استوعب حتى الآن معنى تلك الكلمة وكل ما يظهر في ذهني كلما سمعتها او قرأتها ارى  اشباح اشخاص كثيرون يسيرون ومعهم شخص ملقى على سرير أبيض في مكان محاط باللون السماوي يجرون بسرعة شديدة ويرددون "تروما تروما "

ولكن هل تؤدي التروما للإنعاش ؟ 

عزيزتي سارة  لا أعرف كيف سيكون مصير تلك الذكرى لتلك المشاهد وأصواتها في ذاكرة كل منا , ولا اعرف لماذا كانت فليس عندي اجابة لسؤالك الباحث عن أسباب الأشياء ... 

كل ما يهمني و أريد التأكد منه في كل مرة لامست يدي يدك وكتفك لأطمئن انك هنا سليمة واظل اردد "سارة سليمة ..سارة سليمة" لأهون على روحي قليل من الفزع الذي حدث في عقلي في الحظات السريعة  التي رأيتك ترقضين فيها أمامي من ذلك الشخص فارغ الملامح والأعين حينها و حين رأيت اننا وحيدتين في فراغ ضخم لا يحاطونا سوى أشجار ضخمة و رعاية الله و رغم تطور سرعة الاحداث لم يحدث . 

ولكن رفيقتي هل انتي حقا سليمة ؟ هل أرواحنا سليمة ؟ قلوبنا, خطاوينا,  دهشتنا, افكارنا ؟ وهل هناك اي شيء سليم  في ذلك العالم الآن ؟ 

حين اسمع منك عن خوفك الدائم من بعد ذلك الحادث  ولا اعرف حقيقة بماذا اجيبك,و لا اعرف اين أنا مني الآن, واين انا من مثل هذه المشاعر 

فقد ظللت طويلا مسبقا في شعور دائم بالخوف والفزع من كل شيء, واذكر طبيب سابق حينما سألني بتهكم "قوليلي طيب اي حاجة تخوف ؟" 

ورددت وانا مستفزة تماما منه " افتح الشباك بص ع الشارع  .. هتلاقي كل حاجة تخوف "ا

للاسف لا استطع ان اشاركك شعورك هذا فانا حاليا لا اشعر بشيء على الاطلاق ولا اكترث لشيء 

لا افتقد او اتمنى او اشتاق او احتاج او أمتن او اتأسف او  اشعر بشيء او لشيء 

اشعر كأني شخص  في أول خطاه بعد الموت لايجد شيء سوى الطل, الطل في روحه وحوله لا شيء سوى الطل 

اعتقد اني مررت بمثل هذه المراحل والمشاعر مسبقا  لكن يبقى عندي قليل من الشعور او الغضب والحزن او التمني او الشعور بنهار جديد هيطل بعد مزيد من الخطاوي 

لكن وللاسف او بغير اسف حقيقة في هذا العمر لا اشعر بشيء الآن اعرف اني آسفة عن ما نحن فيه لكي ولبعض ممن احب من رفاق حاضرون اوغابئون اعرف اني شاكرة للبعض  وغاضبة تماما من البعض ومن نفسي احيانا 

 لكن صدقيني لا اشعر بشيء,  اعرف اشياء لكن لا اشعر بها 

اتعرفين ما اخافني حقا بعد ذلك الحادث ؟ تكرار تردد صوتك المستغيث لندائك لي في ذلك المرر الملكي الحدائقي الذي بدى وانه "اوله بساتين وكان آخره حاره سد" وفزع

صوتك الذي ظل يتردد في اذني طويلا وطوال الليل وانا نائمة جوارك اطمئن بعيني عنك كل حين لاقنع نفسي بأننا بالفعل نجونا وانك هنا جواري "سليمة يا سارة"....

اتعرفين ما يخيفني ايضا سؤالي  لروحي عن حقيقة ذهابي لذلك المكان الذي احلم كل  مرة بزيارته بماذا لو و لو , تلك اللو وذلك الخيال الذي افسح لنا الطريق وباغتنا من خلفنا بما لم نكن ندركه ونستشعر وجوده


هل تعرفين ما يفزعني ايضا .. صوت صريخك وتمسك يدك بكتفي وخطواتك اللاهثة  وتكرار رقضنا في وسط الطريق في حادث آخر تماما بعد اسبوع بعد محاولة استعادة انفسنا وتجربة خطاوينا من جديد في احد شوارع المدينة  تلك المرة حقا لم افهم ماذا حدث ولماذا بعد ما رقضت معك لم اعبر الشارع وعدت لمصدر الخطر المجهول لي حينها لاطمئن على تلك الفتاة التي لم افهم حتى الآن لماذا ظلت متصلبة مكانها هكذا ؟ 

 اتعرفين ما يخيفني ايضا ليس التفاتي حولي ف الطرقات, ولكن التفاتك حولنا كلما شعرتي بشخص يجري او يخطو خطوات مسرعة او يسير خلفنا وكلما سمعنا ضحكات او ندائات آخرين بالقرب منا ف الطريق!

اتعرفين ما يثير تساؤلي بشدة هذه الايام لماذا كل تلك المخاوف والاحداث في شهر واحد ؟ فانا لم ادرك حتى الآن الحادث الأول او اتعافى منه ليظهر التاني وليكن التالت والذي لم نتعرض فيه ابدا للأذى لكن خطوات رقض ذلك الشاب من أمامنا وصوت ماكينة الانذار بانه قد سرق شيء من المكان ورقض هاربا.  تفكيري في  بسكلتاتنا خارج المكان والارتباك والشعور بالعجز عن كيفية العودة للمنزل 

انا فقط  اصبحت اريد ان اعود للمنزل, 

ولا اعرف لماذا يخطو جسدي عكس اتجاه ما اريد .

لا اعرف ما اخافني اكثر هل رؤية البائعين من ذلك المحل عائدين بذلك الشاب مقيض اليدين بين ايديهم وهو يتوسل لهم بأن يتركوه , لم اخف منه عزيزتي ولا اعرف هل ما اخافني فكرة استحقاقه للعقاب وقتها ؟او بأني رأيت من اعتدى علينا فيه؟ أم خوفا من ادراك اذى ما سيتعرض له شخص قد رأيت عينيه تتوسل؟ 

ام خوفا من روحي بعد تنبيهك لي بأنه لا داعي للسذاجة مجددا بعدما نبهتيني باني ابحث عن مبررات له بانه ربما يحتاج لما سرقه او يحب شخص ما و يحب ان يهاديه شيء جميل ولا يملك؟ 

ولكن هل مازلت بهذا المنطق من البحث عن مئات من المبررات بعد كل تلك الخذلانات لمقربين او أغراب ؟ لماذا أظل ابرر للأذى والخذلان والعجز ؟ 

انا نفس الشخص التي كنتي تحاولي اسكاتها لتحاولي التفاهم مع ذلك العسكري عند بوابة الحديقة بعدما تعالى صوتي بأمري بانه هو من يحضر الينا بعد كل تلك المسافة, و  عن كل انفعالي على أمن الحديقة والحوار الذي اشتد مع رجل المباحث في مكتب المباحث في القسم ؟ ... وعن صوتي الذي لا اعرف ابدا من اين اتى وقت الحادث,  كيف لي بهذه الرغبة في البقاء والدفاع والرقض خلف الخطر لتلك الدرجة و كيف لي ان اكون ذلك الشخص وذاك ؟  

عزيزتي سارة 

لا اعرف كيف او لماذا  لدي ايمان شديد بأنك لست الشخص المتخوف ولا سيدوم فيكي ذلك الشعور بالقلق, لم نعرف بعض منذ زمن طويل لكن روحي تدرك وتعلم ان روحك من الأقلية التي تدفع مقابل جمالها مزيداً من الألم والخوف والقلق لكنها تنجو. لا اضمن لكي اي شيء ولكني اشعر بأن روحك ستظل تنجو مراراً من صعوبات شديدة الثقل لكن روحك وابتسامتك سيستمروا في محاولات  النجاة والرقض ليس فرارا من خوف ولكن الرقض من أجل البقاء.

مهما كان جسدك الصغير لا يتحمل  وينكمش بشكل مفاجيء حتى يغيب وينعزل عن ما حوله لكن في داخله اظن هناك شيء ما سيظل ينبهه بإعادة فتح عيونك وحمل قدميكي من أجل استمرار الرقض للبحث عن .مكان آمن من أجل البقاء 

لا اعرف رفيقتي لماذا كل هذا الهلع والرقض والقبح لكن ربما كما قالت رفيقة جميلة بأن هذا ما ينبت فينا انسانية اكثر نضرة و حقيقية. 

وكما اخبرنا رفيق جميل في فراديسه الآمنة بأن كل من هو جميل يدفع مقابل ذلك مزيداً من الألم من روحه .

عزيزتي سارة لا اعرف من اين أتينا ولا كيف سيكون باقي الطريق

هل سنظل نسير في طرق لم نكتشفها من قبل ؟ 

هل سنظل نبحث عن حدائق تساع ارتياح ارواحنا فيها ؟ 

وهل سنظل نبتاع فاكهة ويكن كل أملنا ايجاد مكان آمن لنستمتع بها فيها ؟ 

وهل سيظل فينا تصديق بان هذه المدينة مازال بها ما يمكن الاطمئنان فيه ؟ 

هل سيدوم  لأعيننا اندهاشها لرؤية جهنمية في طريق مهجور؟ هل ستأخذنا رغبة في الاستكشاف للسير في الممرر الطويل واستنشاق عطر ورود ذبلت منذ سنين؟

والى اي مدى سيكون ارتفاع صوتنا حينما ننادي أرواحنا لتحيا مجددا لتنجدنا وترافقنا كما نحن بدون تهكم او سخرية 

لاننا في عمق ادراكنا نعرف يا سارة بأن الله اعطانا أرواح جميلة مازالت حية ولكنها تحتاج ان تستكشف الطريق وتعرف مدى وحشته حتى تكتسب قوى ومدى صوت اعلى واوعى من اجل طرق اكثر وحشة 

وبروح اكثر تصديق في الفلة اللي بعد السور 

وهل ستظل اجسادنا قادرة على تحسس أوراق الاشجار وتسمع اذاننا أصوات تكسرها تحت أرجلنا بعد تهاوينا عليها بعد  الرقض الطويلة ؟

اعتقد انه سيظل النكتارين والكريز يحمل لي مشاعر مختلطة من الخوف والكوميديا العبثية تماما وسأظل اتذكر رقضك وقت الحادث فزعة تماما وفي يدك كيس نكتارين وكريز وفي روحك حلم بايجاد اي مكان آمن جميل. 

لا اعرف لماذا كل ذلك,  ولماذا التقينا, وكيف ارسل لي الله رفيق رغم عدم قدرتي التامة على استكمال انفاسي هنا  وانكماشي عن كل شيء, واين كان في روحي ما وجد انه يطمئن في حضرتك 

لا اعرف كيف وثقت روحي من جديد بعد كل ما مرت به من وحشة وخذلان وعجز ان تعود مجددا لتصدق دون وعي بأن الله مازال يسمعها وبانه يبعت وبأن ماذا في الطريق رفاق ونور .... 

عزيزتي تأكدي بأن الياسمين عطره بيطيب الروح دون شك 

سلام من روحي الى روحك عبر كل الممرات والطرق 

 15/7/2018

نرجس

bottom of page